همست الطفلة ذات الست سنوات

لمحة نيوز

اسمي هيلين وارد وقد قضيت اثنين وعشرين عاما كشبح.
أعيش في غرفة بلا نوافذ في سيلفروود ميشيغان محاطا بأزيز مراوح التبريد الخافت ورائحة الأوزون. بالنسبة لمن يتصلون بي لست شخصا. أنا صوت مجرد شريان حياة معترف وأحيانا آخر ما يسمعونه. لمركز الاتصالات جو خاص صمت خانق يثقل على الصدر. تفوح منه رائحة القهوة القديمة ومنظف السجاد الصناعي ورائحة الأدرينالين المعدنية التي تتسرب من مسام العاملين الجالسين في الظلام الأزرق المتوهج.
يظن معظم الناس أن وظيفتي تتمحور حول الكلام. يظنون أنها تقتصر على إصدار التعليمات بصوت عال أو تهدئة الناس. إنهم مخطئون. وظيفتي تتمحور حول الاستماع. إنها تتمحور حول إدراك الفراغات في الحوار انقطاع النفس صوت تحطم الزجاج في الخلفية الصمت الذي يصرخ بصوت أعلى من أي صفارة إنذار.
كان صباح يوم ثلاثاء في أواخر أكتوبر ذلك النوع من أيام الخريف الخادعة حيث الشمس ساطعة لكنها لا تدفئ. في الخارج كانت أشجار القيقب في سيلفروود تتألق بأوراق ذهبية وقرمزية تذبل بجمال آسر. أما في الداخل فقد انحصر عالمي في ثلاث شاشات وسماعة رأس.
كان الصباح هادئا. حادث تصادم بسيط على الطريق السريع رقم 9. خلاف بين جارين بسبب نباح كلب. روتين. من تلك المكالمات

التي تجعلك تسترخي. كنت قد رفعت كوبي للتو قهوتي الثالثة الفاترة خلال نوبتي إلى شفتي عندما رن جهاز الاتصال.
لم يكن رنين الهاتف المحمول الحاد والعاجل بل كان صوت الهاتف الأرضي الرتيب والثقيل وهو نادر هذه الأيام. عادة ما كان الهاتف الأرضي حكرا على كبار السن أو الفقراء.
سألت 911 ما هي حالة الطوارئ لديك
كان صوتي يعمل تلقائيا ثابتا احترافيا وهادئا. إنه درع نبنيه طبقة تلو الأخرى عاما بعد عام. لا يمكنك النجاة من هذه الوظيفة إذا سمحت للذعر بالتسلل إليك.
وللحظة طويلة ومؤلمة لم يكن هناك أي رد.
ضغطت سماعة الرأس بقوة أكبر على أذني. 911 هذا خط مسجل. هل يمكنك توضيح حالة الطوارئ
لا شئ.
لكن لم يكن صمتا فارغا بل كان صمتا حيا. استطعت سماع صوت أنفاس رطبة منتظمة سطحية متقطعة ومرعوبة. بدا كحيوان صغير محاصر في جدار.
انحنيت إلى الأمام وتصلب عمودي الفقري ونسيت أمر القهوة. حامت أصابعي فوق زر التحكم في مستوى الصوت ورفعته إلى أقصى حد.
مرحبا خففت من حدة صوتي متخلية عن نبرة المرسلة الرسمية وانتقلت إلى نبرة أكثر دفئا وحنانا. أسمع أنفاسك. لا داعي للخوف. اسمي هيلين. هل يمكنك إخباري ما الخطب
همس صوت خافت رقيق كزجاج دوار ردا على ذلك. ارتجف بشدة لدرجة أن الاهتزاز
بدا وكأنه يهز أسناني.
هناك... هناك نمل في سريري... وساقاي تؤلمني.
عبست وأنا ألقي نظرة خاطفة على شاشتي. كان الأثر يتشكل على هيئة مثلثات يرتد عن أسلاك نحاسية قديمة. نمل يتصل الأطفال أحيانا بشأن أشياء غريبة. كوابيس. وحوش خيالية. لكن النبرة لم تكن مناسبة لكابوس. كانت هذه نبرة خوف عميق وحقيقي في اليقظة.
ثم قالت الكلمات التي جمدت قلبي في مكانه.
لا أستطيع إغلاقها.
تجمدت يدي في الهواء. بدا أن درجة الحرارة في مركز التحكم قد انخفضت عشر درجات. لا أستطيع ضم ساقي.
في غضون اثنين وعشرين عاما تتعلم تصنيف المكالمات فورا. هذه العبارة التي ينطق بها طفل تشير عادة إلى نوع واحد محدد ومروع من الصدمات. انقبضت معدتي. شعرت بغثيان مفاجئ ورغبة جامحة في مد يدي عبر خط الهاتف وسحب الطفل إلى بر الأمان.
قلت بصوت خافت هادئ أنا هنا معك متبعة البروتوكول المخصص للأطفال المتصلين. كان علي أن أكون حذرة. فإذا كان هناك شخص آخر في الغرفة دخيل قريب لا يمكنني إخافته. أنت تجيدين التحدث معي. ما اسمك يا عزيزتي
اسمي ميا جاء الهمس مرة أخرى. تبع ذلك شهقة رطبة. عمري ست سنوات.
كان عمره ست سنوات. حفيدي ليو كان في السادسة من عمره. كان حينها في الصف الأول الابتدائي وربما كان قلقا بشأن
ما إذا كان سيحصل على قلم التلوين الأحمر أم الأزرق. أما ميا فكانت في مكان آخر عالقة في كابوس.
قلت وأنا أكتب بسرعة بيدي اليمنى بينما أضغط سماعة الرأس على أذني بيدي اليسرى حسنا يا ميا تشرفت بمعرفتك. ميا هل والدتك أو والدك معك أو أي شخص آخر
ذهبت أمي إلى العمل همست بصوت خافت. كان صوت عزلتها مؤلما للغاية. إنها تعمل في المطعم. قالت لي... قالت لي ألا أفتح الباب لأحد. أبدا.
طفل يترك وحيدا في منزل خال من الأطفال. لم يكن هذا الأمر غريبا في سيلفروود. أغلقت المصانع قبل عشر سنوات ومنذ ذلك الحين والبلدة تعاني من تدهور اقتصادي مستمر. كان الآباء يعملون في وظيفتين أو ثلاث وظائف فقط لتوفير لقمة العيش. لم يكن ترك طفل في السادسة من عمره وحيدا إهمالا نابعا من سوء نية بل كان إهمالا نابعا من غريزة البقاء.
لقد أعطتك والدتك قواعد جيدة طمأنتها رغم أن قلبي كان يدق بقوة في صدري. لكنني لست عند الباب يا ميا. أنا أتحدث في الهاتف. وأحتاج إلى إرسال بعض الأصدقاء لمساعدتك. قلت إن ساقيك تؤلمانك
نعم قالت وهي تلهث. كان صوتا حادا لا إراديا يعكس الألم. إنه يحرق. إنه يشبه... يشبه النار.
حسنا يا عزيزتي سأجدك. أعدك.
أرسل الكمبيوتر إشارة اتصال. ظهر العنوان على شاشتي. 404
شارع إلم.
كنت أعرف شارع إلم. كان
تم نسخ الرابط