حماتي وعلبة لبن بنتي حكايات بسمة
— إقرار إنك متنازلة عن حقك في حاجة معينة.
صرخت:
— إنتِ مجنونة؟!
رديت بهدوء:
— لأ. بس افتكرت كلامك.
قربت منها وقلت:
— إنتِ قلتي إن البنت في الآخر هتتجوز وتروح لراجل تاني… وإن مفيش داعي نصرف عليها.
سكتُّ لحظة.
— عشان كده أنا عايزة منك حاجة عمرِك ما تتوقعي إني أطلبها.
بصت للورقة تاني.
وكان مكتوب فيها تفاصيل حساب توفير باسم بنتي، وفلوس كانت حماتي بتحطها سرًا باسم ابنها من سنين، باعتبارها “حقه” من أموال العيلة.
كنت عرفت بالصدفة إن حماتي بتحوّل له مبلغ ثابت كل شهر، من غير ما تقول لنا.
لكن المفاجأة ماكنتش هنا.
المفاجأة كانت في آخر الورقة…
إني كنت بطلب منها تتنازل عن نصيب بنتها هي كمان.
رفعت عيني ليها وقلت:
— طالما البنت “هتروح لراجل تاني”، يبقى إنتِ كمان ماينفعش تاخدي أي حاجة باسمها.
وشها اصفر.
لكن قبل ما تتكلم، جوزي دخل الصالة.
بص للورقة…
وبعدين بص لأمه.
وفجأة قال:
— ماما… هو إنتِ كنتِ مخبية عني إن ليّا حساب باسم أبويا؟
حماتي اتجمدت.
وأنا وقتها فهمت إن موضوع اللبن ماكانش غير أول خيط.
لأن الفلوس اللي كانت بتطلب مني أوفرها لبنتي…
كانت هي نفسها بتحوشها لابنها من سنين، لكن باسم شخص تاني.
والأغرب إن الحساب ده كان فيه مبلغ ضخم…
لكن جزء من الفلوس كان مكتوب في الأوراق إنه مخصص لطفلة واحدة من العيلة.
والطفلة
ماكانتش بنتي.
فمين كانت حماتي بتحوش لها كل الفلوس دي؟ وليه كانت مستعدة تحرم بنتي عشان تحمي حق طفلة تانية؟
حكايات بسمة
الجمود ساد الصالة، الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت تكتكة الساعة على الحيطة، ودقات قلبي اللي كانت بتضرب في صدري زي الطبول.
جوزي، أحمد، كان ماسك الأوراق بإيده، صوابعه بتترعش، وعينيه بتتأنق بين الأرقام وبين وش أمه اللي ألوانه هربت منه في ثواني. حماتي، اللي كانت دايماً بتتكلم بثقة وعلو صوت، اتكمشت في مكانها وكأنها اتعرّت قدامنا.
أحمد بص لأمه وقال بصوت مكتوم، ملل بالصدمة:
— يتيمة؟ وحساب باسم طفلة تانية غير بنتي؟ وفلوس من ورث أبويا المحجوز من سنين؟ إيه الأوراق دي يا أمي؟ فهميني!
حماتي حاولت تجمع شتات نفسها، بلعت ريقها بالعافية وقالت وهي بتحاول تظهر التماسك:
— أنت بتصدق المجنونة دي؟ دي عايزة تخرب بيتك وتوقع بيني وبينك! الفلوس دي... الفلوس دي حلالنا، وأنا بؤمن مستقبل العيلة!
وقفت قدامها بثبات، وبصيت في عينيها مباشرة وقارنت نبرة صوتي بهدوء قاتل:
— مستقبل العيلة؟ ولا مستقبل "ملك"؟ بنت أختك الملازمة للمستشفى اللي بقالك سنتين بتقولي إن علاجها على حساب الجمعيات الخيرية؟ وأنتِ بتاخدي من مصروف بيتي ومن حق بنتي عشان تغطي تكاليف مصحة خاصة ليها، وتحرمي بنتي حتى من كيلو اللبن؟
الورقة اللي حطيتها قدامها ماكانتش مجرد
أحمد مسك أمه من دراعها، مش بعنف، لكن بقلة حيلة وصدمة عميقة:
— أنتِ كنتِ بتبصي لكيس اللبن اللي داخل لبنتي وبتستكتريه عليها... وعمالة تقوليلي "البنت هتروح لراجل تاني نوفر للولد"، وأنتِ بتاخدي حق بنتي وتديه لبنت تانية سرًا؟ ليه يا أمي؟ ليه الكذب ده كله؟
حماتي انفجرت بالبكاء، بس ماكانش بكاء ندم، كان بكاء الخوف من الفضيحة والسقوط:
— اختي الميتة أومنتني عليها! اختك مالهاش حد! بنت اختي يتيمة! لكن مرتك بتضيع فلوسك في الدلع واللبن والهدوم اللي مالهاش لازمة! البنت بكره تكبر وتاخد ابن الحلال، لكن ملك محتاجة التأمين ده طول حياتها!
رديت عليها فوراً وأنا بشاور على بنتي اللي بدأت تصحى من النوم على صوت العياط:
— واليتيمة تحميها على حساب يتيمة تانية
في اللحظة دي، أحمد بصلي بصة عمري ما هنساها. كانت خليط من الخجل، الندم، والانكسار. الشخص اللي كان ساكت لما أمه قالت "وفّري الفلوس دي البنت هتروح لراجل تاني"، أدرك إنه كان مجرد أداة في لعبة أمه، وإن سكوت هدد استقرار بيته وكرامة بنته.
أحمد مسك الأوراق، وقسمها بالنص قدام أمه، وقال بنبرة حاسمة لأول مرة في حياته:
— من النهاردة يا أمي... المصاريف والحسابات كلها تحت إيدي أنا ومراتي. ملك ليها حق، هنعرفه بالشرع والقانون والعدل، من غير ما نسرق حق بنتي أو نيجوا عليها. ومن النهاردة، كيس اللبن، والفستان، ودواء بنتي... خط أحمر. لو شفتك بتدخلي في قرش يدخل بيتي أو يصرف على بنتي، مش هتشوفي وشي تاني.
حماتي سكتت، وماقدرتش ترد بكلمة واحدة. أخدت شنطتها وخرجت من البيت وهي بتجر رجليها، مكسورة ومكشوفة.
أحمد قرب مني، حط إيده على كتفي ونزل راسه للأرض:
— أنا آسف... آسف إني سكت في الأول، وآسف إني خليتك تحسي إن بنتنا ملهاش قيمة.
أنا ما رديتش بالكلام، لكن دخلت أوضة بنتي، شيلتها بين إيديا، وبصيت في عينيها الصغيرة وقلت جوايا:
تمت