بعد ٨سنين
بعد 8 سنين من اليوم اللي سابني فيه وأنا حامل، دخل المستشفى اللي بشتغل فيها وأول ما شافني اتجمد مكانه.
اليوم اللي عرفت فيه إني حامل، الدنيا كانت بتشتي بغزارة.
كنت عندي 26 سنة، وفي حسابي أقل من 8 آلاف جنيه، ولسه معينة بعقد مؤقت كممرضة في مستشفى خاص. لو غبت يومين زيادة، كنت هتفصل.
وفوق ده كله الراجل اللي كنت بحبه كان سايبني من أسبوع.
أحمد السيوفي وقتها قالي إنه محتاج ياخد مساحة.
بس بعد كام يوم اكتشفت إن المساحة دي معناها إنه سافر القاهرة عشان يمسك شغل جديد، وابتدى حياة جديدة ومعاه بنت صاحب الشركة.
لما شفت اختبار الحمل وعليه الخطين، قعدت على أرضية الحمام أكتر من ساعة.
مكنتش بعيط.
مكنتش حتى قادرة أفكر.
كل اللي كان بيلف في دماغي سؤال واحد
هعمل إيه دلوقتي؟
كان قدامي اختيارين
إما أكلمه وأقوله إنه هيبقى أب.
أو أقفل الصفحة دي للأبد.
وفي الآخر اخترت القرار الأصعب
احتفظت بالبيبي
وقررت إنه عمره ما هيكبر وهو حاسس إن وجوده تقيل على حد.
عدت 8 سنين.
بقيت رئيسة تمريض في قسم الرعاية المركزة بمستشفى كبير.
وسكنت أنا وبنتي ملك في شقة صغيرة.
مكنتش غنية.
بس كنت مرتاحة.
كل يوم ثلاثاء نعمل أكلها المفضل، وكل خميس ننزل نتمشى ونشتري آيس كريم، وكل ليلة قبل النوم تقرألي قصة، رغم إنها هي اللي كانت بتنام قبلي.
ملك كان عندها 7 سنين.
ذكية بشكل يخض.
كانت تختار الفاكهة اللي شكلها غريب من السوق وتقول
دي تعبت أكتر وهي بتكبر أكيد طعمها أحلى.
كل مرة أسمع منها جملة زي دي، أبتسم وأقول
البنت دي جابت الكلام ده منين؟
في يوم بعد شيفت 12 ساعة، خرجت من القسم وأنا هموت من التعب.
لكن أول ما بصيت قدامي
اتجمدت.
كان واقف عند الاستقبال.
أحمد.
بعد 8 سنين كاملة.
واقف بنفس النظرة
بس شعره بقى فيه شوية شيب، وعلى وشه أثر جرح صغير.
هو كمان أول ما شافني وقف مكانه.
فضلنا نبص لبعض كام ثانية من غير ولا كلمة.
هو اللي كسر السكوت.
مريم؟
قلت بهدوء
أحمد.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
مكنتش أعرف إنك شغالة هنا.
رديت
بقالي ست سنين.
قال
أنا جاي عشان بابا عنده أزمة قلبية.
بصيت على ملامحه.
ولأول مرة شفته مكسور.
مش الراجل الواثق اللي كان بيسيب أي حاجة ويمشي.
ولا الشاب اللي كان بيجري ورا طموحه.
كان ابن خايف يخسر أبوه.
قلتله بهدوء
ربنا يشفيه.
من تاني يوم، كل المستشفى بقت تتكلم عنه.
أحمد بقى واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر.
شركات عقارات.
فنادق.
مستشفيات.
استثمارات بالمليارات.
أما أنا
مكنتش فارق معايا فلوسه.
كنت كل ما أشوفه أفتكر ليلة واحدة
اللي سابني فيها لوحدي.
فضل يحاول يكلمني.
وأنا أهرب.
لحد ما في ليلة استناني في الباركينج.
كان ماسك كوبايتي قهوة.
ابتسم وقال
لسه بتشربيها سادة من غير سكر؟
بصيت للكوباية.
فعلاً
أخدتها منه وقلت
إنك فاكر ده مش معناه إنك فاكر كل حاجة.
قال وهو مطأطئ راسه
عارف.
قعدنا نتكلم لأول مرة من سنين.
حكالي إنه ندم.
وإنه انفصل من زمان.
وإنه كل ما نجح أكتر، كان بيحس إنه خسر أغلى حاجة في حياته.
لكن ولا مرة حاول يبرر اللي عمله.
وده يمكن أول حاجة خلتني أسمعه.
كل يوم كان يقرب خطوة.
وكل يوم كنت أحس إن السر اللي مخبياه بقى أتقل.
لحد ما قررت
إنه لازم يعرف.
قابلته في استراحة المستشفى.
وقلتله
هقولك حاجة ومش عايزاك تقاطعني.
فضل ساكت.
وحكيتله كل حاجة.
عن اختبار الحمل.
وعن الولادة.
وعن الليالي اللي كنت بذاكر فيها وأنا شايلة بنت رضيعة.
وعن كل عيد ميلاد حضرته لوحدي.
وفي الآخر قلت
اسمها ملك وعندها سبع سنين.
وشه كله اتغير.
همس بصوت مكسور
يعني دي بنتي؟
هزيت راسي.
قعد مكانه وهو مش قادر يتكلم.
وبعدين قال
أنا ضيعت أول كلمة أول خطوة أول عيد ميلاد
قلت
أيوه.
رفع عينه وبصلي وقال
ممكن أشوفها؟
رديت بهدوء
القرار ده مش قراري لوحدي هي كمان ليها حق تختار.
وقبل ما يرد
طلع صوت إنذار عالي من أوضة والده.
الدكاترة جريوا ناحية الغرفة.
ولما دخلنا
لقينا والده فاق من الغيبوبة للحظات، وكان بيحاول يتكلم بالعافية.
قال وهو بيبص ناحية أحمد
هاتوا البنت بسرعة قبل ما عمتها توصل للملف.
أحمد اتجمد.
وأنا اتسمرت مكاني.
لأن اسم عمته كان نفس الاسم اللي
لو قابلتي واحدة اسمها ريهام السيوفي اهربي ببنتك فورًا، ومتقوليش لحد إنها بنت أحمد.
وقفت الكلمات في حقيقي، وحسيت كأن الصدمة شلت أركان الغرفة. صوت أجهزة القلب كان ينبض بإيقاع متسارع، والدكاترة والممرضين يحيطون بالسرير، لكن الصوت الوحيد الذي كان يرن في أذني هو كلمة والد أحمد الأخيرة... واسم ريهام السيوفي الذي ظل مطروداً في ذاكرتي لسنوات ككابوس طفولة لم أفهمه يوماً.
أحمد كان واقفاً كالتمثال المصدوم، عيونه متسعة بذهول ينظر لأبيه الذي أغمض عينيه مجدداً ودخل في حالة غيبوبة عميقة بعد أن ألقى قنبلته الأخيرة. قرب أحمد من السرير وهو بيترعش، مسك إيد أبوه الشاحبة وقال بصوت مبحوح ومكسور
بابا! بابا فتح عينك! ملف إيه؟! وريهام مالها ومال ملك؟! بابا رد عليا!
الدكتور الاستشاري حط إيده على كتف أحمد بهدوء وقال له
أستاذ أحمد، لو سمحت اخرج بره دلوقتي. ضربات القلب مش منتظمة والضغط نزل فجأة، لازم نعمل إنعاش ومحتاجين مساحة.
سحبت أحمد من دراعه بالعافية وخرجنا لصالة الرعاية المركزة. كانت يديه باردتين زي الثلج، وعينيه التائهتان تنظران إليّ بذهول وتخبط
مريم... أنتِ سمعتي بابا قال إيه؟! ريهام عمتي؟! هي عمتي تعرف حاجة عن ملك؟! وأمك... أمك الله يرحمها كانت تعرف عيلتي منين أصلاً عشان تقولك اهربي
أنا كنت بقف في نص الصالة، ورجليا مش شايلاني. سحبت نفس عميق محمل برائحة المظهرات الطبية، وطلعت موبايلي بإيد بتترعش