بصتلي مرات ابني
إن الناس مجرد أدوات لخدمتهم.
سكت أسبوع كامل، ما كلمت حد، ولا رديت على أي مكالمة، ولا بعت أي رسالة. كنت عايزة أتأكد من قراري، عشان ما أتراجع تاني، عشان ما أضعف من كلمة حلوة أو عذر مكرر. وفي الأسبوع ده بدأت أخطط للي هعمله، خطوة بخطوة، من غير أي ضوضاء، ومن غير أي كلام.
أول خطوة رحت للبنك. قابلت مدير الفرع اللي كنت أتعامل معاه من سنين، وقلت له بكل هدوء عايزة أسحب التفويض اللي كنت أعطيته لابني أحمد على حسابي، ومش عايزة أي تعامل له مع أي حساب لي هنا ولا في أي بنك تاني. وكل التحويلات الشهرية اللي كانت بتروح لهم، أوقفيها فوراً.
المدير بص لي بدهشة، قال بس يا ست حنان، ده ابنك الوحيد، مش عايزة تاخدي راحتك؟ ممكن يكون فيه سوء تفاهم؟
ابتسمت له وقالت ما فيهش سوء تفاهم يا سيدي، فاهمة كل حاجة كويس جداً. ده قراري النهائي، وشكراً لك.
ووقعت الأوراق اللازمة، وسحبت التفويض، وأوقفت كل التحويلات، وطلبت منهم إنه لو جاء يسأل عن أي حاجة تخص حسابي، ما يعطوش أي معلومة ولا يسمحوا له بأي تعامل.
تاني خطوة رحت لمكتب المحامي، صديق زوجي القديم، اللي كان يعرف كل حاجة عن حالنا. دخلت عليه، وسلمت له كل الأوراق والوصلات والدفتر، وقلت له عايزك تجمع كل الحقوق القانونية لي، وتبعت لهم إشعار رسمي بكل ما دفعته، وكل ما هو مستحق لي. ومش عايزة خصام، ولا عايزة كلام زيادة، بس عايزة الحق يرجع لصاحبه.
المحامي بص للأوراق، وبص لي، وقال عارفة يا حنان إن ده ممكن يخلي العلاقة بينكم تنتهي للأبد؟ وعارفة إن المبلغ ده كبير جداً، ومش هيعرفوا يدفعوه دفعة واحدة؟
قلت له بثبات عارفة، وعند استعداد لكل نتيجة. أنا ما بدأت،
وطلعت من عنده، ورحت لمكتبة الخدمات، وطلبت منها إنها تتابع الإشعارات، وتبعتها لعنوان شقتهم، وتجيب لي إثبات الاستلام.
وخلال كل ده، ما كلمت أحمد ولا يارا، ولا بعت لهم رسالة واحدة، ولا حتى قلت لهم إنني سحبت يدي ولا طلبت حقي. لأنهم ما كانوا يستحقوا كلامي، وكان لازم يكتشفوا كل حاجة لوحدهم، ويحسوا بالفرق بين ما كانوا عليه وبين ما هم عليه دلوقتي.
الجزء الثاني الصدمة اللي جاتهم من كل جهة
كان أول ما لاحظوا التغير يوم الخميس، يوم اللي كانت تصلهم الحوالة الشهرية بانتظام من غير ما تتأخر ولا تنقص. أحمد دخل على حسابه في البنك كالعادة، انتظر شوية، لكن المبلغ ما جاش. قال لنفسه أكيد مشغولة، أو نست، أو البنك فيه مشكلة، هتجي بكرة.
بكرة جات، ولا حاجة. وبعد بكرة كمان، ولا حاجة. فكر يتصل بي، لكنه تذكر كلام يارا سيبها تهدأ شوية، هي بتتضايق بسرعة، وبعدين هي اللي هتتصل وتعتذر زي كل مرة. فسكت، وانتظر، لكن أنا ما اتصلتش.
في نفس الوقت، كان فيه أقساط بقي يدفعها قسط الشقة، قسط العربية، وقرض صغير أخده من أحد الأصدقاء، كان وعد يرده من الحوالة دي. حاول يدخل على حسابي باستخدام التفويض القديم، لكن رسالة ظهرت له على الشاشة لا يوجد تفويض ساري لهذا الحساب، يرجى مراجعة الفرع.
اتصل بالبنك، وسأل، فقيل له بكل رسمية الست حنان سحبت التفويض بتاعها، وأوقفت كل الصلاحيات، وما مسموح لنا نعطيك أي تفاصيل بخصوص حساباتها إلا بإذنها الخاص.
حس بقلق غريب، قال ليرا مش عارف إيه اللي حصل، الفلوس ما جتش، والتفويض اتسحب، ومش عارف نتواصل
ضحكت يارا وقالت بثقة هي بتعاند بس يا أحمد، تعبت من كلامنا، عايزة تخلينا نرجع نرجعلها زي الأول. مش معقولة تقدر توقف المساعدة خلاص، من غيرنا هيحس بالوحدة وتعرف إننا محتاجين بعض.
انتظروا كمان أسبوع، والأقساط بدأت تتأخر، والرسائل من البنك والجهات المختصة بدأت تتراكم. حاول أحمد يتصل بي، لكن الموبايل كان مغلق، أو مش بيجيب. بعت رسائل كتير يا ماما إيه اللي حصل؟ نستينا الحوالة ولا إيه؟ ردي علينا عشان خاطري. لكن ما كانش رد.
في نفس الأيام، وصل لهم الإشعار الرسمي من المحامي. لما فتحت يارا الظرف وقرت الكلام، لونها تغير، ووقعت الورقة من إيدها. قرأ أحمد الكلام ببطء، وبكل سطر كان قلبه بيضيق تُخطركم السيدة حنان عبد الحليم بأنها تُطالبكم بسداد كافة المبالغ التي دفعتها لكم، وتشمل مصاريف تعليمكم، دفعات شراء الشقة، تكلفة التشطيب، قيمة السيارة، وقيمة الأرض التي تنازلت عنها لكم، بالإضافة إلى المبالغ المحولة شهرياً لمدة تزيد عن خمس عشر سنة، ليصل المجموع الإجمالي إلى مبلغ مائة وثمانية وسبعين ألف جنيه مصري، وتمنحكم مهلة ثلاثة أشهر لتسوية المبلغ إما نقداً أو بتقسيط، وإلا ستضطر لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد حقها.
وكان مرفق مع الإشعار نسخة من كل وصل، كل تحويل، كل دفعة، حتى المبالغ الصغيرة اللي كانوا بيعتبروها هبات بسيطة.
أحمد وقع على الكنبة، مش قادر يتكلم. هو كان عارف إنها ساعدتهم، لكن ما كانش يتخيل إن المبلغ ده كله، وإن كل حاجة عندهم تقريباً من فلوسها. ويارا اللي كانت دايماً تقول إنها ست بسيطة ما عندش خبرة بالحسابات، اكتشفت إنها كانت تتبع كل حاجة بدقة، وما نسيت
اتصل أحمد بالمحامي، وقال بصوت مهتز ده إيه الكلام ده؟ دي أمي، مش مفروض تطلب مني كل ده؟ ده كل حاجة عملتها عشان خاطري!
الرد كان هادئ وقوي السيدة حنان عملت كل ده عشان خاطرك، وما كانتش تطلبه في الحالات الطبيعية. لكنها وجدت إن ما فيهش تقدير، وإن الحقوق لازم ترجع لأصحابها. هي ما طلبتش الفوائد ولا تعويض عن تعب السنين، بس طلبت المبلغ اللي دفعته بالفعل.
بدأت المشاكل تيجي من كل جهة. صاحب الشقة اللي كانوا مستأجرينها قبل ما يشتروا الحالية، اتصل يقول لهم إنهم ما دفعوش القسط، وإنهم ممكن يخسروا الشقة ويردوا كل المبالغ اللي دفعوها لحد دلوقتي. شركة السيارات أرسلت لهم إشعار بوقف الخدمة وسحب السيارة لو ما سددوا المتأخرات خلال أسبوع. واللي كانوا مدينين لهم بالفلوس بدأوا يضغطوا عليهم، ويطلبوا فلوسهم.
كانوا بيحاولوا يلاقوا حل، لكن الأصدقاء اللي كانوا بيحيطوا بهم عشان الفلوس والمكانة، اختفوا فجأة، وكل واحد كان بيعتذر بذريعة ولا ذريعة. حتى الأقارب اللي كانوا بيجوا لهم العزومات، ما كانش عايز يساعدهم ولا بجنيه واحد، لإنهم كانوا عارفين إن السبب في كل ده أنهم ظلموا أمهم، وإن اللي بيعمل كده ما يستحقش المساعدة.
في ليلة من الليالي، كان أحمد قاعد لوحده في الصالة، والأنوار كلها مطفية، وفكر في كل كلمة قالها لي، وكل موقف حصل منهم، وكل مرة كانوا بيعتبروها عبء تقيل. تذكر يوم ما كان صغير، ومرض ومش معاه فلوس، كيف كانت بتقعد جنبه ليل نهار، وكيف باعت خاتم زفافها عشان تدفع تكلفة العملية. تذكر كيف كانت تروح كل يوم للجامعة تحضره له الأكل، وتقف في الشمس عشان تشوفه دقيقة واحدة. وتذكر آخر