بصتلي مرات ابني

لمحة نيوز

بصتلي مرات ابني في عيني من غير ذرة كسوف وقالت
إحنا عزمنّاكي من باب الذوق بس، يا ريت متطوليش في القعدة... ومش عايزين أي إحراج قدام الناس.
ابتسمتلها ابتسامة هادية، لفيت وشي ومشيت من شقتها الفخمة في التجمع، ومن غير ما أنطق بكلمة واحدة، بدأت أشيل إيدي من كل حاجة كنت بسندهم بيها طول السنين.
وسكوتي...
بعد أسبوعين بس...
كان تمنه غالي جدًا عليهم.
ست كبيرة واقفة لوحدها قدام باب شقة فخمة، ماسكة تورتة الشوكولاتة اللي كانت بتعملها لابنها أحمد في كل عيد ميلاد من وهو طفل في ابتدائي...
أي حد كان ممكن يفتكر إني هانهار في اللحظة دي.
بس أنا ما انهرتش.
عدلت الكارديجان اللي عليا، شلت شنطتي على كتفي، واستنيت الأسانسير بهدوء، وكأني خارجة من زيارة عادية ولطيفة...
مش خارجة من عيد ميلاد ابني الوحيد اللي خلوني أحس فيه إني ضيفة تقيلة ومش مرغوب في وجودها.
بالنسبالهم...
كنت مجرد ست كبيرة في السن، لابسة بلوفر كريمي وجزمة مريحة.
ماكانوش شايفين الست اللي كانت بتنضف مكاتب وعمارات لحد نص الليل، وترجع مواصلات في عز البرد، عشان ابنها يعيش حياة أحسن منها.
ماكانوش شايفين الست اللي حرمت نفسها من كل حاجة...
عشان ابنها يبقى عنده عربية، وشقة في منطقة راقية، ومستقبل الناس تحسده عليه.
وماكانوش شايفين إن الأبواب اللي هما فاتحينها دلوقتي...
أنا اللي فتحتها بإيدي.
وإن البيت اللي بيحاولوا يقفلوا بابه في وشي...
أنا اللي دفعت تمن أساساته من عمري وصحتي.
سنين طويلة وأنا بقنع نفسي إن المواقف دي بسيطة.
الأعياد كانت تيجي وتعدي...
وسفرة كبيرة مليانة ناس وأصحاب وقرايب...
وكرسي واحد بس هو اللي كان ناقص...
كرسيي أنا.
كنت أقعد لوحدي في شقتي الصغيرة في شبرا، وأشوف صور العزومات واللمة والضحك على الفيسبوك

والانستجرام...
صور محدش حتى فكر يبعتها لي.
وفاكرة عيد الميلاد اللي نسيوا يكلموني فيه.
فضلت طول اليوم قاعدة جنب الموبايل على ترابيزة المطبخ...
كل شوية إشعار جديد يوصل...
بس المكالمة الوحيدة اللي كنت مستنياها...
ماجتش.
وفي كل مرة...
كنت بلاقي لهم مبرر.
أكيد مشغولين.
لسه صغيرين.
أكيد مقصدوش.
ولذلك...
كنت بكمل.
أحول فلوس من غير ما حد يطلب.
عشان يساعدوا نفسهم في البداية.
أسيب كارت البنك مع أحمد.
للطوارئ بس.
وأدفع وأساند وأساعد...
لحد ما الشقة الإيجار الصغيرة بقت شقة فخمة يتصوروا فيها وينزلوا صورها للناس.
وهما واقفين في الصورة تحت الأضواء...
كنت أنا واقفة بعيد...
في الضلمة...
بدفع الفاتورة.
في الليلة دي بقى...
لما وقفت يارا على باب الشقة، بشعرها المرتب وابتسامتها المصطنعة وكلامها اللي كله ذوق من بره وسم من جوه...
حصل جوايا هدوء غريب.
ماكنش غضب.
وماكنش كراهية.
كان مجرد إدراك واضح وصريح...
إني قضيت سنين بطلب مكان على سفرة...
أنا اللي دافعة تمنها أصلًا.
رجعت القاهرة بعدها بيومين.
ولما دخلت شقتي القديمة اللي عشت فيها أكتر من تلاتين سنة...
كنت شخص تاني غير الست اللي سافرت.
قعدت على ترابيزة المطبخ وبصيت للحقيقة لأول مرة
كل خطتهم في الحياة كانت مبنية على حاجة واحدة...
إن إجابتي عمرها ما هتكون غير حاضر.
إنهم يقدروا يدوني أقل حاجة...
وأنا أرضى.
وإني دايمًا هكون أول واحدة تعتذر...
حتى لو هما اللي وجعوني.
المرة دي بقى...
مافيش خناق.
مافيش عياط.
مافيش رسائل طويلة ولا مكالمات فيها رجا.
اخترت حاجة أصعب بكتير على الناس اللي متعودة تعتبرك مجرد وسيلة لخدمتهم.
قررت...
أشيل إيدي.
بس كده.
السؤال بقى...
أنا عملت إيه بالظبط؟
وإزاي ست هادية وبسيطة زيي...
قدرت تقلب كل الموازين.
..
من غير ما تعلي صوتها مرة واحدة؟
ومن هنا...
بدأ الوجع الحقيقي في الحكاية.
رجعت شقتي في شبرا، وقفلت الباب ورايا ببطء، وكأن القفل ده هو اللي بيفصل بين الماضي اللي عشتله وبين الحاضر اللي بدأت أراه لأول مرة بعينين مفتوحتين. الشقة دي كانت صغيرة، أرضها بلاط قديم، شبابيكها بتطل على الشارع المزدحم، وريحتها دايماً ريحة الطبخ والدفء اللي ما لقيتوش في شقتهم الفخمة في التجمع. طول السنين كنت أعتبرها عيب، كنت أتمنى أغيرها وأعيش جنب ابني، لكن في اللحظة دي حسيت إنها هي الوحيدة اللي ما خانتني، هي الوحيدة اللي ما طلبتش مني أدفع تمن وجودي فيها.
دخلت أوضتي، شلت الملابس اللي كنت لبستها عشان أروح لهم اللي كنت اشتريتها خصيصاً عشان ما أكون شكلي غريب وسط ناسهم الأغنياء وعلقتها في الدولاب ببطء، ولبست بلوزة قطنية مريحة وبنطلون بيتي. جيت لترابيزة المطبخ، صببت كوب شاي بالنعناع زي ما كنت بعمل كل يوم، وقعدت، وبدأت أعد كل حاجة بكل هدوء، عشان ما أخطئ ولا أظلم حد ولا أظلم نفسي.
ما كنتش عايزة أكرههم. كنت عايزة بس أعرف الحقيقة زي ما هي، من غير تزيين ولا مبررات.
أول حاجة فتحت دفتر الحسابات القديم اللي كنت ماسكاه من سنين. دفتر بسيط، غلافه بيج متقشر، كل صفحة فيه مكتوبة بخط يدي الواضح، كل جنيه دفعته مكتوب عليه التاريخ والسبب. أول سطر فيه كان من عشرين سنة، أول ما أحمد دخل الجامعة دفعت مصاريف التسجيل ١٢٠٠ جنيه، بعتله مبلغ للكتب والسكن ٣٠٠٠ جنيه. وتحتها سطر تاني، وتالت، ورابع، لحد ما الصفحات امتلأت، والدفتر امتلأ، واشتريت دفتر تاني، وتالت.
كنت كل شهر أضيف المبلغ اللي ببعته، وكل سنة أجمع المجموع، وكنت دايماً أضيف جملة صغيرة في النهاية كل ده من أجلك يا أحمد، عشان تفضل في المكانة العالية.

بدأت أعد من أول السطر لحد آخر واحد، وكل ما أعد رقم، يمر بذهني ذكرى تعبي وسهر وحرمان. السنين اللي كنت أروح أنضف الشقق والشركات، أرفع الكراسي والطاولات، أنظف الحمامات والمطابخ، أتحمل كلام الناس القاسي ونظراتهم اللي بتعتبرني أقل منهم، عشان كل قرش بيجيلي أديه لابني. وسنين تانية كنت أعمل خياطة لحد الفجر، وأبيع الحلويات للجيران، وأعمل أي حاجة تضيف لي قرش زيادة، عشان أضمن له مستقبل ما كانش ممكن يوصله لوحده.
وصلت لآخر صفحة، وجمعت كل الأرقام مع بعض. المبلغ كان كبير جداً، كبير لدرجة أني نفسي لم أتوقعه، كبير لدرجة إنه يكفي لشقتين فخمتين زي شقتهم، وعربية فاخرة، ومصاريف عشر سنين كاملة. وكل ده من عمري، من صحتي، من الفرص اللي ضاعت مني، من الأيام اللي كنت أتمنى أرتاح فيها ولا قدرت.
بعد كده فتحت درج التاني، وطلعت الأوراق الرسمية وصلات دفع الشقة، وصلات الدفعات الأولى للعربية، إيصالات تحويل الفلوس من البنك، وحتى عقد القرض اللي خدته باسمي عشان أكمل لهم تشطيب الشقة، واللي لسه ما سددته حتى دلوقتي. كل ورقة كانت دليل واضح، ما فيهش غلط، وما فيهش شك.
وكان أهم حاجة في الدرج عقد التنازل عن الأرض اللي كانت لي ولأحمد من أبوه الله يرحمه، اللي وقعت عليه من سنتين عشان يبيعها ويكمل بيها مشروع صغير قال عايزه يعمله، وما سألتوش حتى إيه هو المشروع، ولا شفت قرش واحد من الفلوس اللي خدها منها.
كنت طول الوقت أديهم من غير ما أطلب حساب، من غير ما أسأل أين تروح الفلوس، من غير ما أشترط حاجة مقابلها. كنت أعتبر أن الحب ده عطاء من غير حدود، وأن الأم مطلوب منها تضحي كل حاجة عشان أولادها، وما تطلبش منهم حتى كلمة شكر. لكن في اللحظة دي عرفت إن العطاء اللي بيتاخد كحق، واللي بيخلي الطرف التاني ينسى
قيمته، مش حب، هو جريمة في حق النفس، وجريمة في حق اللي بنعطيه لهم، لأنهم بيتعلموا
 

تم نسخ الرابط