عشا تخرجي

لمحة نيوز

 

وفي العشا، الكل كان بيتكلم عن مستقبلي.

لحد ما جدتي قالت الجملة اللي كسرت كل حاجة:

١٨٠٠ دولار كل شهر.

لمدة ٤ سنين.

عقلي حسب الرقم قبل ما ألحق أوقفه.

أكتر من ٨٦ ألف دولار.

فلوس كانت تكفي الإيجار والأكل والعلاج والكتب والراحة.

فلوس كانت هتمنع إني أعيط من الجوع.

هتمنع إني أشتغل وأنا عيانة.

هتمنع إني أضيع شبابي كله وأنا بحاول “أنجو”.

جدتي بصتلي وشها شاحب وقالت:
— “مريم… هما ماكانوش بيدوكي الفلوس؟”

أمي ضحكت ضحكة مصطنعة بسرعة:
— “يا ماما إنتِ فاهمة غلط… إحنا كنا بندير الفلوس ليها بالطريقة الصح.”

أبويا كح وقال بعصبية:
— “مش وقت كلام في الفلوس.”

زمان… الجملة دي كانت هتسكتني.

مش الليلة دي.

بصيتله في عينه وقلت:
— “أنا عمري ما استلمت ولا جنيه.”

جدتي نزلت الكوباية ببطء.

وقالت لأمي بصوت عمري ما سمعته منها:
— “قوليلي إن حفيدتي كدابة.”

أمي… ما ردتش.

وفي السكوت ده…

حياتي كلها اتكتبت من جديد.

افتكرت التفاحة اللي رجعتها.

والسخونية اللي اشتغلت بيها.

والجزمة المقطوعة اللي لبستها شتويين.

والكتاب اللي ماقدرتش أشتريه فكنت بصور صفحاته في المكتبة مستخبية.

والليلة اللي اللاب بتاعي عطل فيها وأبويا قالي:
— “الإنسان المسؤول لازم يبقى عنده تحويشة.”

وكل ده…

بينما الـ١٨٠٠ دولار بتنزل كل شهر.

بس مش ليا.

ليهم هما.

معاناتي ما بنتش شخصيتي.

معاناتي موّلت رفاهيتهم.

جدتي قامت ببطء وقالت:
— “أنا عايزة أشوف كشوفات الحسابات.”

أبويا خبط بإيده على الترابيزة بعصبية:
— “كفاية! مش هسمح للبنت دي تبوظ العشا بالدراما.”

وقفت أنا كمان.

لكن ما صرختش.

ما عيطتش.

شلت شنطتي بس.

وقلت بهدوء:
— “متقلقش… مش هبوظ العشا.”

وبعدين بصيت لجدتي.

— “بس بكرة… عايزة أقعد معاكي لوحدنا.”

عينيها املت دموع وهزت راسها.

ولما خرجت من المطعم…

هوا القاهرة البارد خبط في وشي.

العربيات ماشية.

الناس بتضحك.

الدنيا

مكملة عادي…

ولا حد يعرف إن طفولتي كلها اتكسرت بجملة واحدة.

في الليلة دي عرفت إن أهلي سرقوا ٤ سنين من عمري.

ولأول مرة من زمان…

ماحسّتش إني ضعيفة.

حسّيت إني شايفة الحقيقة بوضوح.

وضوح مرعب.

وبيقولي حاجة واحدة:

لو هما قضوا سنين يبنوا كدبة…

فأنا ههدها حتة حتة، بالدليل… وبالحقيقة اللي مش هيقدروا يدفنوها تاني.

في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، كانت شمس مايو ٢٠٢٦ دافية وجميلة وهي بتنور الصالون الأثري الشيك لبيت جدتي الحاجة سعاد في جاردن سيتي. الأجواء كانت هادية، ريحة الياسمين والقهوة مالي المكان، وعلى الترابيزة الرخام كان فيه دوسيه جلدي أسود ضخم جدتي كانت مجهزاه ومستنياني بيه.
أول ما دخلت، جدتي فتحت لي إيديها بكل قوتها وهي بتبكي بحرقة ونَدَم:
— جدتي سعاد: «سامحيني يا مريم يا بنتي.. أنا الجانية عليكي قبلهم.. أنا اللي كنت ببعت الفلوس من حسابي في أمريكا كل شهر وأقول مدحت وجيجي أمانة وهيصونوكي ويخلوكي ملكة، ومكنتش أعرف إنهم وحوش جحدوا دمهم وسرقوا شقاكي وجوعوكي عشان يصرفوا على المظاهر وكريم!»
قعدت جنبها، ومسحت دموعها بثبات ووقار اتعلمته من قسوة الأيام:
— مريم: «متبكيش يا تيتة.. التعب اللي عشته خلاني قوية بجد، والنهاردة وقت الحساب بالحق والورق.»
الأستاذ **"نبيل العوضي"**، المستشار القانوني لجدتي وصديق عمر والداها الراحل، فتح الدوسيه وطلع كشوفات الحسابات البنكية المحولة من نيويورك للقاهرة طوال ٤٨ شهراً بالتمام والكمال. الإجمالي كان ٨٦ ألف و٤٠٠ دولار.. أي ما يعادل بالمصري ملايين الجنيهات! وكلها كانت بتتحول على حساب توفير مشترك باسم أبويا وأمي تحت بند "مصاريف دراسة وإعاشة مريم محمود".
الظابط والمستشار القانوني لقطوا الخيط؛ الفلوس مكنتش بتروح لتعليمي، الكشوفات أثبتت إن الحساب ده كان بيتم سحب المبالغ منه كاش أول كل شهر، وتتحول فوراً لـ أقساط عربية كريم، وعضوية النادي الفخمة لأبويا، والسبا

والرحلات لأمي! كانوا بيمصوا دمي حرفياً ويسيبوني أشتغل عيانة عشان هما يتمنظروا قدام الناس!
في تمام الساعة الثامنة مساءً، وبناءً على خطة محكمة من الأستاذ نبيل، تم استدعاء أبويا وأمي وأخويا كريم لبيت جدتي بحجة "تسوية الأمور العائلية بعيداً عن المحاكم".
دخلوا الصالون بكامل شياكتهم ومظاهرهم الكدابة. أمي (جيجي) كانت شايلة شنطة ماركة غالية، وأبويا (محمود) داخل يعدل ساعته الفخمة، وكريم ماسك تليفونه الأحدث موديل ومبتسم ببجاحة. أول ما شافوني قاعدة وجنبي جدتي والمستشار القانوني واللابتوب مفتوح، الابتسامة اتمسحت من وشوشهم تماماً والدم هرب من عروقهم!
— أبويا بتلعثم وعصبية عشان يداري رُعبه: «فيه إيه يا أمي؟ وإيه اللمة دي؟ مريم بوظت علينا عشا التخرج البارحة بالدراما بتاعتها، وجايبة المحامي بتاعك هنا ليه؟ إحنا عيلة واحدة ومفيش داعي للفضايح دي قدام الغرب!»
قمت وقفت ببطء.. وراسي مرفوعة للسما، ومشيت بخطوات ثابتة كأن كعبي مقصلة بتنزل على كذبهم. ونظرت في عين أبويا وأمي مباشرة ببرود قارس كشفرة الحلاقة:
— مريم: «عيلة واحدة يا محمود بيه؟ العيلة الواحدة هي اللي بتاخد ٨٦ ألف دولار تمن أكلي وعلاجي وكتبي وتصرفها على المظاهر والسبا والعربيات وتنزلي صور على فيسبوك وتقولي لي (التعب بيبني الشخصية)؟! العيلة هي اللي تسيب بنتها تموت من السخونية ورا الكاشير عشان تروحوا تتعشوا في عيد جوازكم؟! أنتم مش أهلي.. أنتم حرامية سرقتوا ٤ سنين من عمري وصحتي بالخيانة والتزوير!»
أمي بدأت تعيط بنفاق وتتمسكن: «يا مريم افهمي! إحنا شيلنا الفلوس دي عشان نأمن لك مستقبلك بعد الجواز! وأخوكي كريم كان محتاج يقف على رجله عشان يتجوز ويشرفنا قدام نسايبه! أنتي جاحدة وبتبيعي أهلك عشان قرشين؟!»
جدتي سعاد خبطت بعصايتها على الأرض بعنف زلزل الصالون:
— جدتي بصوت جهوري يرعش الحيط: «اخرسي خالص يا جيجي! أنتي وأبوها حسابكم معايا مابقاش عائلي.. حسابكم بقى
مع النيابة العامة بتهم التزوير في محررات رسمية والاستيلاء على أموال القصر والسرقة الجنائية! الورق ده كله هيتقدم للنائب العام بكرة الصبح!»
كريم وأبويا سقطوا على ركبهم على الأرض يبكوا ويتوسلوا بانهيار وخوف من الحبس والفضيحة في السوق: «أمي! مريم! أرجوكم بلاش السجن! إحنا مستعدين نبيع العربية الجديدة ونتنازل عن الشقة ونسدد كل مليم بالتقسيط بس بلاش الشرطة تخرب بيتنا!»
— مريم بثبات وقوة: «التنازلات هتمضي عليها حالا يا محمود بيه إنت وكريم. الفيلا بتاعة التجمع، والعربية المرسيدس الجديدة، وحصتكم في الشركة، هتنازلوا عنها باسمي وباسم جدتي تسوية ودية للملايين اللي سرقتوها طوال ٤ سنين.. وإلا البدلة البيضاء بتاعة السجن مستنياكم بكرة الصبح بقوة القانون!»
اضطروا تحت الرعب والتهديد بالحبس الفوري إنهم يوقعوا على كل عقود التنازل عن أملاكهم والفيلا والعربيات وهم بيبكوا بذل وخزي، وانطردوا برة بيت جدتي في نص الليل مفيش في جيبهم مليم واحد، واضطروا يعيشوا في شقة إيجار قديم ضيقة جداً في أطراف القاهرة، وكريم اشتغل عامل بسيط، وعاشوا في نكد وفقر حقيقي ودقوا طعم الجوع اللي دوقهوني سنين!
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
الفيلا الفخمة في التجمع الخامس بقت ملكي أنا وجدتي وعايشين فيها بالأمان والدفا والنور. أنا أسست شركتي الخاصة للترجمة والنشر الدولي بفضل مجموع الأموال اللي استردتها، وبقيت منجحة وراسي فوق السحاب وبكسب ملايين بالحق والنظافة.
وفي صباح يوم ربيعي جميل، كنتُ واقفة في سوبر ماركت كبير، ومسكت تفاحة حمراء منورة تمنها غالي، ابتسمت من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني، واشتريت كرتونة كاملة ووزعتها على العمال الغلابة اللي برة بجبر خاطر ملوش حدود.
اتعلمت مريم إن التعب الحقيقي مابيبنيش الشخصية لو كان بالظلم؛ الصدق والنفس العزيزة هما اللي بيبنوا الملوك، وإن ربنا سبحانه وتعالى بيسخر لك
الحق والوقت عشان يهد عروش الكذب ويجيب حق المظلوم بالمليم. وعشنا إحنا فوق السحاب بالرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت للأبد.
**تمت.**
 

تم نسخ الرابط