عشا تخرجي

لمحة نيوز

جدتي ابتسمت في عزومة تخرجي وقالت إن الـ١٨٠٠ دولار اللي كانت بتبعتهم كل شهر أكيد ساعدوني جدًا في الكلية…
لكن لما قلتلها إني ما استلمتش ولا جنيه، أمي وأبويا اتجمدوا قدام العيلة كلها.

— “أنا فرحانة أوي إن الـ١٨٠٠ دولار اللي كنت ببعتهم كل شهر ساعدوكي تخلصي الكلية يا حبيبتي.”

جدتي قالتها وهي رافعة كاس العصير بابتسامة فخر.

وفجأة…

الترابيزة كلها سكتت.

مش سكتة هزار وقع.

ولا سكتة حد دخل في وقت غلط.

دي كانت سكتة تقيلة…
السكتة اللي بتحصل لما جملة واحدة تفتح قبر متداري بقاله سنين.

أبويا حرفيًا اتنفسه وقف.

أمي بصت لتحت بسرعة لدرجة إنها كادت توقع الكوباية.

وأخويا الكبير “كريم”، اللي كان بيضحك على حاجة في موبايله، رفع عينه ببطء.

بصيت لجدتي.

وبعدين بصيت لأهلي.

وسألت بصوت حتى أنا معرفتوش:
— “فلوس إيه يا تيتة؟”

ابتسامة جدتي “الحاجة سعاد” اختفت واحدة واحدة.

وقالت باستغراب:
— “الفلوس اللي كنت ببعتها لأهلك عشانك يا مريم… ١٨٠٠ دولار كل شهر من أول ما دخلتي الجامعة. للإيجار، والكتب، والأكل، والبنزين، والدكاترة… عشان ما تحتاجيش لحد.”

في اللحظة دي حسيت المطعم كله بيبعد عني.

صوت الملاعق.

الضحك.

المزيكا الهادية.

الجرسون وهو بيصب المية…

كله بقى بعيد ومشوش.

كان عندي ٢٣ سنة، ولسه متخرجة بامتياز من الجامعة.

العشا ده كان المفروض احتفال بيا.

أبويا “محمود” حجز قاعة خاصة في مطعم غالي جدًا في التجمع، من الأماكن اللي مفارشها بيضا والنور فيها هادي والناس بتتكلم بصوت واطي.

كان فيه بلونات دهبي.

ورد طبيعي.

وعشا يكفي مرتب شهر كامل.

وابتسامات مثالية على وشوش أهلي.

أبويا قضى الليلة كلها يتفاخر بيا.

— “مريم طول عمرها مقاتلة”، قالها وهو بيربت على كتفي كأنه هو اللي سهر وتعب معايا.
— “ربيناها إن محدش بيديك حاجة ببلاش.”

أمي هزت راسها بابتسامة وقالت:
— “التعب هو اللي بيبني الشخصية.”

والجملة دي… صدقتها سنين.

“التعب بيبني الشخصية.”

لما كان عندي ١٦ سنة وطلبت فستان للفرح، أبويا قالي اشتغلي في الويك إند وهاتيه بنفسك.

— “لما تدفعي تمن الحاجة هتعرفي قيمتها.”

ولما دخلت الجامعة وسألتهم لو يقدروا يساعدوني أأجر أوضة قريبة…

أمي وقالت بابتسامة هادية:
— “إحنا بنديكي حاجة أهم من الفلوس يا حبيبتي… الاستقلال.”

هما سموها استقلال.

أنا سميتها جوع.

أول شغلانة ليا كانت في كافيه جنب الجامعة.

أدخل ٦

الصبح، أعمل قهوة وأنضف الترابيزات وأستحمل الزباين، وبعدها أجري على المحاضرات وريحة اللبن المحروق والقهوة لازقة في هدومي.

وبعد الضهر كنت بشتغل في مكتبة الجامعة.

أرتب كتب، وأراجع كارنيهات، وأنضف مكاتب، وأقاوم النوم بالعافية.

بالليل… لما البنات يخرجوا يتعشوا أو يذاكروا مع بعض…

كنت أقعد أعد الفكة اللي معايا على السرير.

في أسابيع كاملة كنت عايشة على نودلز سريعة وسندوتشات زبدة فول سوداني وبواقي مخبوزات الست اللي في الكافيه كانت بتحطهالي في الشنطة عشان صعبانة عليها.

فاكرة مرة كنت واقفة في سوبر ماركت ماسكة تفاحة.

سعرها كان حوالي ٧٠ جنيه.

وكان معايا فلوس تكفيني بالعافية لحد آخر الأسبوع.

لو اشتريت التفاحة…
مش هعرف أحط بنزين للعربية تاني يوم.

رجعتها مكانها…
وخرجت حاسة بالخجل عشان جعانة.

مرة تانية جالي دور برد جامد لدرجة إني كنت مش قادرة أقف.

سخونية وتكسير في جسمي وزوري مولع.

ما روحتش لدكتور عشان الكشف كان أغلى من اللي معايا.

ونزلت الشغل وأنا عيانة، واقفة ورا الكاشير بعرق والناس بتشتكي إن الكابتشينو فيه رغوة زيادة.

اتصلت بأمي وأنا بعيط:
— “يا ماما… تعبانة أوي.”

ردت بصوت هادي:
— “اشربي

حاجة سخنة وارتاحي لما تقدري… أنا وبابا خارجين نتعشى بمناسبة عيد جوازنا.”

وقفلت وأنا حاسة بالذنب…
كأني أنا اللي بوظتلها الليلة.

للدرجة دي كانوا مربييني أشيل ذنب مش ذنبي.

وفي الوقت اللي أنا كنت بغرق…

هما كانت حياتهم بتتحسن بشكل غريب.

أمي تنزل صور سبا وسفر وسهرات ومطاعم.

أبويا اشترى عربية جديدة وقال إنها “مهمة لصورته الاجتماعية.”

أما أخويا كريم…

ساعدوه في إيجار شقته، ودفعوا موبايله، وجابوله عربية مستعملة، وحتى موّلوله رحلة مع صحابه.

وكل ما أسأل ليه هو بيتساعد وأنا لا…

أمي تتنهد وكأني جاحدة:
— “يا مريم، أخوكي في مرحلة مختلفة… وبعدين إنتِ طول عمرك أقوى.”

“أقوى.”

الكلمة دي كانت السلسلة اللي ربطوني بيها ٤ سنين.

خلّوني أصدق إن طلب المساعدة ضعف.

وإن الإرهاق انضباط.

وإن الفقر درس.

وإن الوحدة نضج.

وإن الألم دليل إني ببقى إنسانة أحسن.

حتى قدام صحابي كنت بردد كلامهم:
— “عادي… أهلي بس عايزين يعلموني أعتمد على نفسي.”

لكن جوايا…
كنت دايمًا بسأل نفسي:

ليه الحب بالشكل ده بيوجع؟

ليلة التخرج حاولت أنسى كل ده.

لبست فستان أزرق جايباه من محل مستعمل، وفردت شعري بمكواة صاحبتي.

كنت عايزة أبقى

حلوة.

كنت عايزة أحس إن كل يوم تعب كان له معنى.

ولما طلعت المسرح واستلمت الشهادة…

أهلي وقفوا يسقفوا.

أمي عيطت.

وأبويا وقال:
— “إحنا فخورين بيكي أوي.”

قفلت عيني…

وكنت نفسي أصدقه

 

تم نسخ الرابط