رفع والدي كأسه وقال بعض الأطفال يجعلونك فخوراً، والبعض الآخر يشغلون مساحةً فحسب.
المحتويات
جيانا بخير هكذا يقول الناس عندما يتوقفون عن الأمل في أن تتحسن الأمور. لم أجب لأنه كان محقا.
لقد فقدت الأمل ليس للسبب الذي ظنه. لاحقا وصلتني رسالة نصية من نعومي حبيبته السابقة. رسالة تبدو ودودة لكنها تحمل في طياتها تسللا. يقول فيها كنت تفكر في الانتقال. بورتلاند تناسبك. حدقت بها وأصابعي تحوم فوق الشاشة ثم حذفتها. لم أكن لأمنحها أو لأحد مساحة لسرد حياتي مجددا.
بعد بضعة أيام اتصلت بي أمي متظاهرة بالاطمئنان على صحتي. بدا صوتك متعبا في المرة السابقة. يجب أن ترتاح. ثم وكأنها تغرز سكينا بين أضلاعي أضافت لا تهرب من عائلتك بسبب ليلة سيئة. اهرب. هذا ما كانت ستسميه. لا أغادر. لا أنقذ نفسي فقط أهرب. عندها أدركت الأمر. لم أعد غاضبا.
انتهيت من التفاوض. فتحت الخطط مجددا وأعدت تسميتها خروج. ثم حجزت رحلة لإجراء مقابلة إلى بورتلاند. وصلتني رسالة التأكيد الإلكترونية بسرعة البرق. في صباح اليوم التالي مررت بنوافذ منزل والدي بحديقة متلألئة وستائر محكمة وأدركت شيئا ما. لقد بنوا منزلا يبدو حيا من الخارج لكنه لا يتنفس.
وأخيرا بدأت أتعلم كيف أتعلم. حدث ذلك أسرع مما توقعت. الانهيار والانكشاف والغضب الصامت الذي أعقب ذلك. قبل أسبوع من مقابلتي تلقيت اتصالا من
سمعت ضحكة خفيفة مريرة عبر الهاتف. من الغريب أن الرجال يستخدمون كلماتهم ضدك. لم أرد التورط لكنني عرفت أن نبرة الهزيمة تلك ممزوجة بعدم التصديق. كان هذا هو الصوت الذي ابتلعته لسنوات. لذا توجهت بالسيارة. بدت شقتها مجهزة لكسر القلب. خزائن نصف فارغة كؤوس نبيذ تجف في الحوض صورة زفاف لا تزال وجهها لأسفل على المنضدة.
ناولتني صندوقا وقالت لا أستطيع العودة إلى هناك وحدي. كانت تعني مملكة آبائنا يا هندي. حزمنا أمتعتنا في صمت حتى همست كنت محقا في المغادرة. أردت أن أخبرها أن الأمر لا يتعلق بالصواب بل بالنجاة. لكنني أومأت برأسي. وبحلول الليل كانت صناديقها مكدسة عند الباب.
عانقتني قبل أن أغادر وهو أمر لم تفعله منذ صغرنا. قالت لا تدعهم يسحبونك للداخل. بدا الأمر وكأنه نعمة. عندما وصلت إلى المنزل كان المنزل أظلم من المعتاد. كانت أمي جالسة في غرفة المعيشة هاتفها في يدها والشاشة تضيء نصف وجهها. هل ساعدت أختك على الانتقال سألت دون أن ترفع نظرها. تجمدت في مكاني.
كيف اتصلت يا كيلسي قلت إنك رائعة. قلت إنك طلبت منها العودة إلى المنزل.
فتحت حاسوبي المحمول وتفقدت ملف الخطط وها هي رسالة البريد الإلكتروني من بورتلاند لتأكيد المقابلة. ولأول مرة منذ شهور شعرت بارتياح كبير. طبعت تفاصيل العرض وحزمت ملف أعمالي ووضعتهما في مجلد جلدي كتب عليه الفصل التالي. ثم تصرفت بتهور.
فتحت حسابا مصرفيا مشتركا للعائلة الحساب الذي أصر والدي على فتحه للطوارئ. حولت كل ما كان لي من روائح إلى حسابي الشخصي ثم ضغطت على زر إغلاق الحساب. كان الحساب نظيفا صامتا وقانونيا. بعد يومين تغيرت نبرة أمي. وصلت رسالتها ملفوفة بعشاء سكري في منزل كيلسي رقم 6 وهو يطبخ اللازانيا. هذا كان الدليل. لم تدع أمي أحدا غيرها يطبخ.
عرفت حينها أنه ليس عشاء بل كمينا. شحنت هاتفي ونسخت ملفاتي احتياطيا على وحدة تخزين USB صغيرة وتركتها في حقيبتي. لو أرادوا التحدث لفعلوا ذلك دون أن تكون خططي في متناول أيديهم. في تمام الساعة السادسة دخلت المنزل. كانت الطاولة مجهزة بأربع شموع مضاءة كقربان سلام.
كان أبي يتصفح هاتفه وكيلسي تجلس بجانبه
كانت الطاولة مجهزة بإتقان كجلسة تصوير ولم يكن أحد يقصد الصفح. لم يرفع أبي عينيه عن هاتفه عندما بدأ. قالت ابنة عمك ميا لقد تقدمت بطلبات توظيف في الغرب. كانت نبرته ناعمة لكن كلماته كانت مليئة بالأدب. حافظت على هدوئي. هذا صحيح. لدي مقابلة.
وضعت أمي نبيذها. كنا قلقين فقط من أنك تهربين من شيء ما يا جانا. تطلعت كيلسي نحوي. لم أستطع الجزم تحذير أم اعتذار. ابتسمت بتلك العادة الهادئة التي تعلمتها منهم. ربما أهرب نحو شيء ما. نظر إلي أبي أخيرا. كانت نظراته كثقل باب يغلق.
لا تجعل هذا تمردا آخر. لطالما كنت دراماتيكيا. أو ربما كنت دائما قاسيا قلت بهدوء. ساد الصمت الغرفة. ارتطمت شوكة كيلسي بطبقها. تشققت ابتسامة أمي قليلا. أنت لا تقصد ذلك. أنا أقصد ذلك. حتى صوتي فاجأني.
لقد أهنتموني علنا فضحكتم جميعا. ربيتموني على العقود والمحاضرات ثم سميتم ذلك حبا. تقولون إن العائلة خالدة لكن ما تقصدونه حقا هو الطاعة. دفع أبي كرسيه
متابعة القراءة