باعو كل حاجه عشان يمولو مشروع اختي
بعد ما باعوا بيتهم عشان يمولوا مشروع أختي الفاشل، أبويا وأمي ظهروا فجأة ومستنيين يعيشوا عندي "فترة". الحقيقة إنهم كانوا مخططين إني أشيل مسؤوليتهم بقية حياتهم. بس أنا كنت سبقتهم، أجرت استوديو صغير ونقلت فيه تاني يوم الصبح. ولما وصلوا، ملقوش غير بيت فاضي بيصفر فيه الهوا.
اليوم اللي "نورا" عرفت فيه إن أهلها مش ناويين يقعدوا "فترة" وبس، كانت بتمضي عقد إيجار شقة استوديو صغيرة في آخر الدنيا.
كانت سمعت الخطة كلها من ليلتين في مطبخ أمها، مع إن الكلام مكنش متقال كخطة واضحة. كان متغلف بالابتزاز العاطفي، والتعب، ونبرة "الأهل" اللي بتخلي الرفض يبان قسوة وجحود.
أبوها وأمها، "رأفت" و"عفاف"، باعوا بيت العمر اللي كان ملكهم عشان يحطوا كل مليم في "أتيليه" أختها الصغيرة "ليلى". ليلى وعدتهم بنجاح باهر، وفروع تانية، و"عز للعيلة كلها". نورا حذرتهم مية مرة. طلبت تشوف الحسابات. فكرتهم إن ليلى كل سنة بتبدأ فكرة جديدة ومكملتش في حاجة، وعمرها ما عرفت تدير ميزانية. بس كل ده مكنش مهم.. ليلى هي "الحالمة"، هي "الدلوعة"، هي اللي "خلاص قربت تكسر الدنيا".
بعد 6 شهور، الأتيليه غرق في الديون، مفيش فروع فتحت، الموردين هددوا بالمحاكم، وفلوس البيت "طارت".
ساعتها، الأهل لفت نظرهم لـ "نورا".
**— "هنقعد عندك فترة،"** أبوها قالها وهو بيشاور بإيده كأن الموضوع مش محتاج نقاش، **"لحد بس ما نظبط أمورنا."**
أمها كملت: **"إنتِ طول عمرك العاقلة والمدبرة، وعارفين
نورا فضلت باصة لهم وهي حاسة ببرودة في صدرها. الجملة دي — "العاقلة" — لاحقتها طول عمرها. معناها الطفلة اللي بتاخد أقل عشان بتطلب أقل. البنت اللي مطلوب منها تحل مشاكل هي معملتهاش. اللي دفعت مصاريف كليتها، واشترت عربيتها بفلوسها، وعمرها ما طلبت اهتمام عشان "ليلى" دايماً عندها كارثة محتاجة حل.
بصت للمطبخ اللي ساعدت في دهانه، وللسفرة اللي دفعت نص تمنها لما أبويا شغله قل من سنين. وافتكرت تصليح السطح اللي دفعته من جيبها في أواخر العشرينات. ودلوقتي، بعد كل ده، متوقعين يدخلوا بيتها الإيجار المكون من 3 أوض ويحولوها هي لـ "مشروع تقاعدهم".
**— "هي 'الفترة' دي قد إيه بالظبط؟"** نورا سألت.
أبوها هرب بعينه منها: **"بلاش تصعبي الأمور على نفسك وعلينا."**
رد كفاية جداً.
تاني يوم الصبح، وقبل ما حد يزن عليها بكلام عاطفي، نورا راحت شافت استوديو مفروش وسط البلد. كان صغير جداً — يدوب ياخد سرير، وتربيزة صغيرة، وشباك واحد باصص على منور — بس كان نظيف، سعره معقول، وبتاعها هي. مضت العقد فوراً.
وبالليل، كانت كلمت شركة نقل، غيرت عنوانها، نقلت عدادات الكهرباء والمية من اسمها، ولمت كل حاجة تخصها. عقد البيت القديم كان لسه فيه شهرين، بس دفعت الشرط الجزائي وفسخته. كان وجع "فلوس"، بس أهون بكتير من وجع "القعدة".
مسابتش وراها غير كنبة قديمة كانت موجودة في البيت، وأباجورة مكسورة، والسكوت اللي أهلها افتكروه "طاعة وعلامة رضا"
تاني يوم العصر، رأفت وعفاف وصلوا بعربية نقل ومعاهم شنطهم، مستنيين "الحضن، والسيطرة، والسرير الجاهز".
بدل كل ده، لقوا الستاير مفتوحة، الأوض فاضية، وصوت صدى حيطانه بيرد عليهم.
نورا كانت واقفة على الباب وماسكة شنطتها ومفاتيحها.
أمها نزلت من العربية وهي مذهولة: **"إيه ده؟ إيه المنظر ده؟"**
نورا قفلت الباب وراها وطلعت ظرف:
**— "ده عنوان فندق رخيص للفترات القصيرة، ورقم حد بتاع دار مسنين، وعنوان الأتيليه بتاع ليلى،"** قالتها بمنتهى الهدوء. **"ابدأوا من هناك."**
وش أبوها أحمر من الغل.
وخد خطوة ناحيتها وهو مجنون من الغضب، في نفس اللحظة اللي الجار اللي في الوش فتح بابه وفضل يتفرج عليهم بصمت.
أبوها قرب منها وعروق رقبته بارزة من الغضب، وصوته كان زي فحيح الأفاعي وهو بيحاول يداري فضيحته قدام الجار اللي واقف يتفرج:
— "إنتِ اتجننتي يا بت؟ بترمي أبوكي وأمك في الشارع؟ ده أنا اللي عملتك، ولولايا مكنتيش بقيتي 'العاقلة' اللي فرحانة بيها دلوقتي!"
نورا متهزتش، فضلت واقفة ببرود يحرق الأعصاب، وبصت له نظرة خلت الكلمة تقف في زوره:
— "لا يا بابا، إنت معملتنيش.. الظروف هي اللي عملتني. إنت كنت مشغول بتعمل 'ليلى'.. بتصرف عليها، وبتحقق لها أحلامها بفلوسي وتبيعة بيتك. أنا بقيت 'عاقلة' غصب عني، عشان كان لازم حد في البيت ده يبقى عاقل عشان المركب متغرقش. بس المرة دي، أنا قررت أنط من المركب قبل ما تغرقوني معاكم."
أمها "عفاف" بدأت في وصلة
— "يا نورا يا بنتي.. إحنا كبرنا، ومحتاجينك جنبنا. ليلى لسه صغيرة وغلطت، والمسامح كريم.. عايزة ترمينا في 'دار مسنين'؟ ده جزاتنا؟"
نورا ضحكت ضحكة قصيرة ومرة:
— "ليلى عندها 26 سنة يا ماما، مقتولة في الدلع والكسل. والدار اللي في الورقة دي مكان محترم، أحسن بكتير من إنكم تعيشوا في بيت إيجار صاحبته مش عايزة تشوفكم فيه. أنا مش 'مشروع تقاعد'، ولا أنا 'حصالة' بتفتحوها وقت اللزوم. أنا بني آدمة، وعايزة أعيش حياتي من غير ما أشيل هم ديون ليلى ولا غلطاتكم."
أبوها رفع إيده كأنه هيضربها، بس نورا مراجعتش خطوة ورا:
— "اضرب يا بابا.. اضرب عشان الجيران يشوفوا المأساة كاملة. بس صدقني، القلم ده لو نزل، مش بس هقفل الباب ده، أنا همسحكم من حياتي للأبد. الظرف ده فيه مفاتيح شقة ليلى اللي إنتو دافعين تمنها من دمكم.. روحوا عيشوا معاها في 'الحلم' بتاعها، وخلوا 'الدلوعة' هي اللي تشيلكم المرة دي."
رأفت نزل إيده ببطء وهو بيترعش من القهر، وبص للأرض مش عارف يودي وشه فين. نورا لفت وظهرها ليهم، ومشيت ناحية عربيتها اللي كانت راكنة بعيد شوية.
أول ما ركبت وقفلت الباب، حست إن جبل كان فوق صدرها وانزاح. بصت في المراية وشافتهم وهما بيلموا الشنط تاني في العربية النص نقل، ودموع أمها بتمسح "الكحل" على وشها. قلبت عينها وفتحت الموبايل، وعملت "بلوك" لـ ليلى، ولأبوها، ولأمها.
شغلت الموتور، وطلعت على الاستوديو
تمت القصة..