قصه ذات عبره
الشارع اللي ساكنين فيه دلوقتي، رغم هدوءه الظاهري، كان زمان غير كده خالص. مكان شبه مهجور، البيوت قليلة، والليل فيه تقيل كإنه بيضغط على الصدر. والدي دايمًا يحكي إن في الزمن ده كانت الحوادث والجرايم عادية جدًا، كإن الدم كان جزء من يوم الناس. قتل، ثأ*ر، سرقة بتنتهي بالموت… واللي يموت وينزل منه دم، أهله أو اللي حواليه كانوا يخافوا حتى من هدومه.
كانوا مؤمنين إن هدوم المق*تول دي مش عادية، وإن الدم اللي شرب فيها بيخليها مطمع للدجالين. ناس كانت تدفع فيها فلوس كتير، بحجج السحر وفكّ العمل وجلب الحبيب، فكان الحل الأسلم إنهم يتخلصوا منها نهائيًا: يا إما تتحرق، يا إما تتدفن بعيد.
وفي يوم من الأيام، صحينا كلنا على صوت صريخ وزحمة غريبة في الشارع. ناس بتجري، ناس بتنده، ووشوش مصدومة. واحد من الجيران لقوه مرمي قدّام بيته…
السنين عدّت، والناس نسيت، أو حاولت تنسى. لحد ما جه وقت اتعمل فيه إعادة إعمار في المكان اللي اتدفن فيه الزير. الحفار نزل، الأرض اتفتحت، والزير طلع واتكسر، واللي جواه ظهر للنور بعد سنين طويلة من الدفن.
ومن هنا… كل حاجة بدأت.
بعدها بكام يوم، بقينا نسمع أصوات خبط على أبواب البيوت. خبط مفاجئ، قوي، كإن حد بيخبط بإيده كلها. خبطتين… تلاتة… وتسكت. تكون قاعد في أمان بيتك، وفجأة الصوت يخترق المكان. ناس كانت تجري على الشبابيك من الفضول، وناس تانية كانت تقفل على نفسها وتطنش، وكإنهم بيقولوا: “اللي نشوفه النهارده، نعيشه العمر كله”.
يوم
أبويا بقى، كان دايمًا يقول إنه مش بيخاف. مش عناد، بس إيمان إن الخوف بيكبر الحاجة. وفي يوم، قرر إنه يشوف بعينه. أول ما الخبط جه، نزل جري بسرعة غير معتادة. فتح الباب في لحظة، ولمح شخص بيجري في آخر الشارع. جسمه واضح، خطواته سريعة، ولف ناحية اليمين في شارع جانبي.
أبويا جري وراه. الشارع فاضي، الهوا تقيل، وصوت خطواته هو الوحيد اللي مسموع. ولما وصل لآخر الشارع… مفيش حد. ولا نفس، ولا حركة.
لف عشان يرجع… وفي اللحظة دي، حس إن الدم نشف في عروقه.
كان واقف قدّامه.
ظل في حجم الإنسان، ليه رجلين واقفين بثبات، وعينين حمرا، حمرا بطريقة مش طبيعية. مفيش ملامح تانية. لا وش، لا تعبير، بس العينين. الجو فجأة سخن، كإن نار ولعت في الهوا،
“كنت عاوز تشوفني؟… يلا بقى، ارجع بيتك.”
ولا اختفى، ولا اتحرك. واقف… كإنه بيتلذذ باللحظة.
أبويا رجع البيت. لا جري، ولا صريخ. دخل عادي جدًا، بس قلبه كان بيدق بطريقة عمره ما حسّها. طلع فوق، فتح الشباك وبص… لقاه لسه واقف مكانه، رافع راسه، كإنه بيتحداه بنظرة.
نادَى على أمي بهدوء غريب: “تعالي شوفي.”
أمي قربت، بصّت من الشباك… وفي اللحظة اللي عينيها شافته فيها، الشكل اتلوى، اتحرّك بسرعة غير مفهومة، وتحول لكلب أسود، وجري واختفى في الضلمة.
ومن اليوم ده… الخبط وقف. بس الإحساس؟ لا. الشارع هدي، بس ما رجعش طبيعي. وكإن الأرض، لما اتفتح سرّها، رفضت ترجع تقفله تاني.
قصة حقيقية، على لسان صاحبها. واللي عاش الرعب مرة… يعرف إن في حاجات، مجرد إنك تشوفها، بيكفي…
اللي سمع حاجة زي كدة ياريت