الجزء الاخير
كان أوزيبيو يجلس في غرفة الصيانة القديمة، الباب مغلق والهواء راكد كأنه يحتفظ بذكرى لم تُمسّ منذ عقود. وضع المجلد على الطاولة المعدنية، ومسح بقايا الغبار عن غلافه البلاستيكي الأصفر. أصابعه كانت ترتجف، لكنه تابع رغم الرعشة التي تسري في ذراعيه.
فتح الرسالة.
كانت مكتوبة بخط غير مستقر، بقلم حبر أزرق باهت، وكأن جوليا كتبتها وهي تنظر خلف كتفها كل دقيقة.
«إلى من سيجد هذا…
إلى من لم يكن ينبغي له أن يعرف…
نحن لم نختفِ. لم نهرب. ولم نُختطف.
نحن… اخترنا.
لكن الاختيار لم يكن لنا وحدنا».
توقف أوزيبيو للحظة، شعر بقطرة عرق باردة تنزلق من صدغه.
تابع القراءة.
**«بدأ كل شيء في يناير، قبل أن يعرف أي شخص.
كنا نلاحظ أشياء غريبة في المدرسة:
أبواب تُفتح ليلاً رغم
ثم، في أحد الأيام، وجدت نيريا رسالة تحت مقعدها. لم يكن عليها اسم، فقط رمز: دائرة داخلها أربع نقاط.
قلنا إنها مزحة سخيفة… لكننا لم نضحك عندما بدأ شخص ما يتابعنا»**
أوزيبيو رفع الرسالة، اقترب من الضوء، قرأ السطر التالي ببطء.
«الشخص لم يكن غريباً.
كان أحد الأساتذة».
قلب الصفحة.
**«أخبرنا أننا لسنا أولى الفتيات… وأن هذه المدرسة لها تاريخ لا يعرفه أحد.
وقال إن الأطفال الذين نحملهم ليسوا مجرد أطفال.
قال إنهم "اختيار".
إنهم مُحددون لشيء… أكبر منا وأكبر من المدرسة كلها.»
«حاولنا الهروب منه، حاولنا إخبار الإدارة.
لكن كل من حاولنا الوثوق بهم — تجاهلونا أو نصحونا بالصمت.
كأن الجميع يعلم… أو يخاف
شعر أوزيبيو بانقباض في معدته. لقد عمل هنا منذ التسعينات ولم يسمع شيئاً كهذا. أي أستاذ؟ من؟ وكيف لم يلاحظ أحد؟
تابع.
**«في مارس، طلب منا الاجتماع في الطابق السفلي القديم — ذلك الذي أغلقوه منذ سنوات.
قال إنه يريد فقط الحديث.
لكننا عندما نزلنا… لم نكن وحدنا.
كان هناك أشخاص آخرون، رجال ونساء من المدينة، وجوه نعرفها.
نظروا إلينا كما لو أننا لم نعد طلاباً، بل… شيء آخر.
قالوا إننا سنغادر لفترة قصيرة، وأن العودة ستكون… بعد انتهاء "الدورة".
لم نفهم. ولم يُسمح لنا بالسؤال.
في تلك الليلة، اختارت كل واحدة منا أن تختفي من تلقاء نفسها، ولكن الحقيقة أننا لم نملك خياراً.
كان علينا حماية ما نحمله… أو هكذا قالوا.»**
هنا، تغير الخط، أصبح أكثر ارتجافاً.
«إذا وجدت هذه الرسالة بعد ثلاثين عاماً… فهذا يعني شيئاً واحداً.
أنهم عادوا.
أو أنهم… يستعدون للعودة».
توقّف أوزيبيو. قلبه يدق بقوة.
لكن آخر سطرين جعلوه يبتعد عن الطاولة خطوة كاملة:
«نحن لم نمت.
نحن كنا… ننتظر.»
حين أنهى القراءة، أحس أن المبنى نفسه يتنفس حوله. أصوات في الممر، صرير خفيف فوق السقف، كأن الجدران التي ظلت صامتة ثلاثين عاماً تستيقظ.
أغلق المجلد بسرعة، لكن قبل أن يرفعه من الطاولة، لاحظ شيئاً لم يكن هناك قبل دقائق.
ورقة صغيرة، زهرية اللون، مطوية بعناية… وكأن أحداً وضعها فوق المجلد أثناء قراءته.
فتحها.
كانت هناك جملة قصيرة.
جملة كتبها شخص يعرف اسمه جيداً.
«أوزيبيو…
لا تخبر أحداً.
نحن قريباً جداً.
أقرب مما تتخيل.»
لم تكن موقّعة.
لكن الكتابة… كانت كتابة نيريا سالفاتيرا.
الفتاة التي اختفت منذ ثلاثين عاماً.