كنت قاعده في مطبخي حكايات بسمة
كنت قاعدة في مطبخي الصغير، بفتح تطبيق البنك على موبايلي للمرة العاشرة، يمكن ألاقي فلوس ظهرت من العدم!رصيدي كان ٤٢ جنيه و١٢ قرش بس!
وعلبة اللبن الصناعي اللي على الرخامة كانت فاضية، وابني يوسف اللي عنده ٨ شهور كان بيعيط في حضني من الجوع، لدرجة إن قلبي كان بيتقطع عليه وأنا مش عارفة أعمله إيه.
بعد خمس دقايق بس، بعت أكتر رسالة محرجة في حياتي كلها لواحد غريب معرفوش!
واللي مكنتش أعرفه إن الرقم اللي بعتله الرسالة ده كان بتاع زعيم المافيا، راجل اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير تحسب كلامها قبل ما تنطقه!
«منى، أرجوكي متزعليش مني. أنا عارفة إني لسه مديونالك بفلوس من الشهر اللي فات، بس لبن يوسف خلص إمبارح بالليل. ممكن تسلفيني ٣٥٠ جنيه؟ أنا هقبض يوم الجمعة، والله هرجعهملك.»
دست على زر الإرسال من غير ما أراجع الرقم.
وبعدها شلت يوسف على كتفي وفضلت ألف بيه في المطبخ الضيق، وأنا بهدهده وبهمسله:
— معلش يا حبيبي، معلش يا نور عيني، ماما هتتصرف، والله هتتصرف.
كان وشه أحمر من كتر العياط، وكل شوية يدفن وشه في البلوزة بتاعتي ويدور على حاجة تسكّن جوعه، وأنا عاجزة حتى إني أوفرهاله.
بعد المضاعفات اللي حصلتلي وقت الولادة، الرضاعة الطبيعية بقت شبه مستحيلة، واللبن الصناعي بقى عبء جديد فوق أعباء الحياة اللي مش بتخلص.
الإيجار.
الكهربا.
الحفاضات.
مصاريف البيت.
الأكل والشرب.
كل حاجة بقت محتاجة فلوس، وأنا مش عارفة أجيبها منين.
من تلات أسابيع، الكوافير اللي اشتغلت فيه أربع سنين استغنى عن نص العاملين بعد ما صاحبه باعه لناس جداد.
ومن ساعتها، بقيت بروح أقص شعر الزباين في بيوتهم، وأحيانًا في شقق مفروشة، وأي مكان يطلبوني فيه ويكون فيه قرشين أقدر أرجع بيهم لابني.
وفجأة، الموبايل اهتز في إيدي.
رسالة من رقم غريب.
«أعتقد إنك كنتِ تقصدي تبعتي الرسالة دي لحد تاني. أنا مش منى.»
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
فتحت الورقة المثبتة على التلاجة، اللي كنت كاتبة عليها رقم صاحبتي، وقارنته بالرقم اللي بعتله الرسالة.
رقم واحد بس كان غلط!
— يا مصيبتي! أنا عملت إيه بس؟!
مسكت الموبايل وكتبت بسرعة:
«أنا آسفة جدًا، بعت الرسالة لرقم غلط. أرجوك اعتبر إنك مشوفتش حاجة.»
كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني من كتر الإحراج.
لكن بعد ثواني، وصلتني رسالة تانية.
«إنتِ مضايقتنيش. ولو مفيش إحراج بالنسبالك، أقدر أساعدك في تمن اللبن.»
فضلت باصة للشاشة وأنا مش مستوعبة.
مين الشخص الغريب ده اللي مستعد يبعت فلوس لواحدة ميعرفهاش لمجرد إنها طلبت المساعدة بالغلط؟
كتبتله:
«لأ بجد، متشكرة جدًا لذوقك، بس مينفعش أقبل مساعدة من حد معرفوش.»
مكنتش أعرف إن في نفس اللحظة، في قصر ضخم على أطراف القاهرة، كان فيه راجل اسمه آدم الراوي، وقف الاجتماع اللي كان قاعد فيه مع مجموعة من أخطر رجاله أول ما رسالتي ظهرت على شاشة موبايله.
رسميًا، آدم كان صاحب مجموعة شركات كبيرة، شغالة في النقل والاستيراد، وعنده مطاعم وشركات أمن ومخازن في أكتر من محافظة.
لكن الحقيقة اللي محدش كان بيجرؤ يقولها بصوت عالي، إن آدم الراوي كان زعيم واحدة من أخطر شبكات الجريمة المنظمة في البلد.
رجالة كانت بتغير طريقها لما تشوف عربيته داخلة الشارع.
ورجال أعمال كانت بتوطي صوتها لما ييجي اسمه في الكلام.
وحتى الناس اللي فاكرة إنها تعرفه كويس، مكانتش تعرف عنه غير اللي هو عايزهم يعرفوه.
والراجل اللي الكل بيخاف منه، كان قاعد دلوقتي بيحاول يقنع واحدة غلبانة إنه يبعتلها فلوس لبن ابنها!
كتبلي:
«كل طفل من حقه يصحى يلاقي أكله. سيبيني أساعدك، من غير أي شروط ولا مقابل.»
بصيت ليوسف اللي كان بدأ يهدى من كتر التعب، وبعدها رجعت بصيت للموبايل.
كتبت بتردد:
«إنت متأكد؟»
رد بسرعة:
«متأكد.»
بعد كام دقيقة من التردد، بعتله البيانات اللي محتاجها علشان يحوّل الفلوس.
أنا كنت طلبت ٣٥٠ جنيه بس.
لكن لما فتحت المحفظة الإلكترونية، لقيته باعتلي ٨٠٠ جنيه!
كتبتله بسرعة:
«إنت حولت فلوس زيادة!»
رد:
«هاتي حفاضات كمان.»
«بس أنا مينفعش أقبل منك المبلغ ده كله!»
«اعتبريهم سُلفة، ولما ربنا يوسعها عليكي، ساعدي حد تاني محتاج.»
في اللحظة دي، حطيت إيدي على بُقي وانفجرت في العياط.
مكنتش بعيط علشان الفلوس بس، كنت بعيط علشان بقالى فترة طويلة حاسة إني لوحدي في الدنيا، وإن مفيش حد شايف أنا بتعذب قد إيه علشان أقدر أعيش أنا وابني.
وبعد عشرين دقيقة، كنت واقفة في الصيدلية، بشتري اللبن الصناعي والحفاضات، ومعاهم علبتين أكل أطفال وشوفان مخصص للرضع.
رجعت البيت، وغسلت إيدي كويس، وحضرت ليوسف الببرونة.
أول ما مسكها وبدأ يشرب بنهم، عيني دمعت.
قلتله وأنا بمسح على شعره الناعم:
— بالراحة يا حبيبي، اللبن مش هيطير، اشرب براحتك يا روح ماما.
مد إيده الصغيرة ومسك صباعي، وكأنه بيطمني إن كل حاجة هتبقى كويسة.
ولأول مرة من أول الصبح، الشقة الصغيرة غرقت في الهدوء.
طلعت الموبايل وصورت إيده وهي قابضة على صباعي، وبعت الصورة للراجل الغريب.
وكتبتله:
«يوسف بيشرب اللبن دلوقتي. إنت أنقذت يومنا، ومش عارفة أشكرك إزاي.»
استنيت الرد، لكن مفيش حاجة وصلت.