ابن اختي

لمحة نيوز

ابن أختي عاش معايا بعد وفاة أمه، وكنت فاكر إن مراتي بتعامله زي أولادي… لحد ما رجعت من الشغل بدري ولقيته بياكل لوحده على سلم العمارة.

أختي اتوفت وابنها عنده 7 سنين.

أبوه كان متوفي قبلها بسنتين.

يوم الدفنة، يوسف كان ماسك إيدي وساكت.

لا عيط.

ولا اتكلم.

بس قبل ما نروح البيت سألني:

—أنا هعيش فين يا خالو؟

وقلت:

—بيتك عندي.

مراتي وقتها قالت قدام الناس:

—يوسف زي ولادي بالظبط.

صدقتها.

عدت 3 سنين.

كنت برجع من الشغل متأخر، وكل ما أسأل يوسف:

—أكلت؟

يقول:

—أيوه.

—مبسوط؟

—أيوه.

كان دايمًا قليل الكلام.

افتكرت ده بسبب وفاة أمه.

لحد يوم رجعت فيه من الشغل بدري.

طلعت السلم، ولقيت يوسف قاعد بين الدور التالت والرابع.

لوحده.

قدامه طبق بلاستيك فيه شوية رز بارد.

قلت:

—إنت بتعمل إيه هنا؟

أول ما شافني اتخض.

حاول يخبي الطبق وراه.

—ولا حاجة يا خالو.

قعدت جنبه.

—بتاكل على السلم ليه؟

قال بسرعة:

—بحب أقعد هنا.

لكن وأنا بكلمه، باب شقتنا اتفتح.

ابني الصغير خرج وهو ماسك قطعة فراخ.

أول ما شافني قال ببراءة:

—بابا! إنت جيت بدري!

وبعدين بص ليوسف وقال:

—ماما قالتلك متطلعش غير لما نخلص.

حسيت قلبي وقع.

دخلت البيت.

السفرة كانت مليانة أكل.

فراخ.

لحمة.

وسلطة.

قلت لمراتي:

—يوسف بياكل رز بارد على السلم ليه؟

وشها اتغير.

—هو بيحب يقعد

لوحده.

ابني قال:

—لأ يا بابا، ماما بتقول إن الأكل ده من فلوسك وإحنا أولى بيه.

مراتي صرخت فيه:

—ادخل أوضتك!

بصيت ليوسف.

كان واقف عند الباب، راسه في الأرض.

سألته:

—من إمتى؟

قال:

—عادي يا خالو.

—من إمتى يا يوسف؟

دموعه نزلت.

—من زمان.

دخل أوضته.

وبعد دقائق خرج شايل شنطة المدرسة.

قلت:

—رايح فين؟

قال:

—هروح عند صاحبي.

—ليه؟

رد بجملة كسرتني:

—عشان حضرتك متتخانقش مع مراتك بسببي… أنا اتعودت.

جريت عليه .

لكن ، حسيت بحاجة تقيلة في شنطته.

فتحتها.

لقيت علبة بلاستيك كبيرة مليانة سندوتشات ناشفة.

سألته:

—إيه ده؟

اتوتر.

—بحوشهم.

—ليه؟

قال:

—عشان لما أكبر وأمشي من هنا يبقى معايا أكل لأول كام يوم.

مقدرتش أتكلم.

لكن ابني الكبير، اللي كان واقف ساكت من أول الخناقة، دخل أوضته ورجع بحصالة.

حطها قدام يوسف وكسرها.

كانت مليانة فلوس.

مراتي صرخت:

—إنت بتعمل إيه؟!

ابني بصلي وقال:

—أنا ويوسف بنحوش من مصروفنا بقالنا سنتين.

سألته:

—بتحوشوا ليه؟

بص ليوسف.

وقال:

—عشان يوسف كان فاكر إنه أول ما يتم 18 سنة حضرتك هتطرده.

يوسف بدأ يعيط.

لكن ابني كمل:

—فقلتله لو بابا طردك… أنا همشي معاك.

بصيت لمراتي.

كانت واقفة مكانها مش قادرة تنطق.

لكن الصدمة الأكبر كانت لما بنتي الصغيرة خرجت من أوضتها ومعاها دفتر قديم.

ناولتهولي وقالت:

—بابا…

يوسف بيكتب فيه كل يوم الحاجة اللي أكلها عندنا.

فتحت آخر صفحة.

كان كاتب …..!!!

روايات بسكوته

فتحت الصفحة الأخيرة، وكان كاتب بخط طفولي مهزوز كلمات حفرت جوه قلبي جرح مش هيداوى طول عمري:
> «النهارده الأربعاء.. ولاد خالو أكلوا كفتة وبطاطس محمرة.. وخالتو قالتلي الخبز خلص، فكلت طماطم بالملح على السلم عشان ريحة الأكل متبقاش في الشقة.. يا رب كبرني بسرعة عشان مأكلش من فلوس خالو اللي بيتعب فيها، ومبقالش تقيل على حد.. وبابا وماما يسامحوني إني عايش بعدهم.»

أنا انهرت.. قعدت على الركبة في الأرض وأنا ماسك الدفتر بضمه لصدري وببكي بكاء هستيري.. بصيت لمراتي اللي كانت واقفة زي الصنم، وشها خالي من الدم، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعها في عيني.
وقفت وصرخت فيها بعلو صوتي:
— «يا جبارة! يا مؤذية! اليتيم اللي أمه ماتت وأمنتني عليه.. اليتيم اللي وصية أختي ليا قبل ما تموت كانت هو! تاكليه عيش ناشف ورز بارد على السلم وتفهميه إنه شحات بياكل من فلوسي؟! وإنتِ بتاكلي وبتأكلي ولادك لحمة وفراخ من خيري وشقايا؟! ده لولا بركة اليتيم ده في بيتي ما كان دخل بيتنا قرش حلال!»
مراتي بدأت تبرر برعشة وخوف:
— «يا عبده.. واللّه أنا كنت بخاف على قرشك.. الدنيا غليت وأنا كنت عاوزة أشيل لولادك قرشين للزمن.. مكنش قصدي أذيه!»
رديت عليها بمنتهى الحسم والكسرة:
— «تخافي على قرشي

من ابن أختي؟! ده لحمي ودمي! قرشي اللي بتوفيرك ده بقا حرام وسم في بطن ولادي بسبق أذيتك لليتيم.. لو كنتِ بتخافي على ولادك فعلاً، كنتِ خفتِ عليهم من دعوة يتيم مكسور الخاطر بالليل والناس نايمة!»
خطة العزة.. اليتيم لا يهان في بيت خاله
التفتّ ليوسف، نزلت لمستواه ومسحت دموعه، وأخدت الشنطة من إيده ورميتها، وكسرت الدفتر ده ميت حتة عشان ميفضلش فيه أي ذكرى تكسر قلبه، وقلتله بصوت قوي وصادق:
> «اسمعني يا يوسف.. من اليوم، مفيش سلم، ومفيش دموع، ومفيش كتابة.. البيت ده بيتك إنت قبل أي حد.. واليوم اللي هتم فيه 18 سنة، هو اليوم اللي هسملك فيه شقتك الخاصة اللي هكتبهالك باسمك من بكره الصبح!»

بصيت لمراتي وقلت لها ببرود قاتل:
— «إنتِ طالق يا "رحاب".. خدي هدومك وروحي لبيت أهلك.. والبيت ده متباتيش فيه ليلة واحدة.. اللي مفيش في قلبها رحمة ليتيم، متأمنش على تربية ولادي، ولا تشيل اسمي ثانية واحدة!»
رحاب لمت حاجتها وهي بتبكي وتترجى، وأهلها لما عرفوا اللي عملته في ابن أختي اليتيم اتبرأوا من تصرفها ورفضوا يتدخلوا.. وولادي الاتنين جريوا على يوسف ، وابني الصغير قاله:
— «السفرة دي بتاعتك يا يوسف.. والله ما ناكل لقمة إلا وإنت بتاكل معانا في نفس الطبق!»
قعدنا كلنا على السفرة.. وأنا اللي بقيت بأكل يوسف بإيدي وأنا بطبطب عليه.. وبدأت عيونه تلمع بضحكة حقيقية لأول
مرة من 3 سنين.. وعرفت ساعتها إن الستر والبركة والرزق مبيجوش بالبخل والطمع ولا بكسر نفوس اليتامى.. بيجوا بالرحمة والقلب النظيف.
وعاش يوسف وسطنا مكرم معزز، وراسه فوق السحاب.. وبقى هو وباقي ولادي سند لبعض وضهر يحمي الكل لما يكبروا!
تمت

تم نسخ الرابط